لم أعد أثق بأحد

لم أعُد أثق بأحد.. فكيف أثق بالبشر والغدر طبعهم؟ بدأت حكايتي منذ ولادتي.. فقد عشتُ طفولتي وكأنّني في بيت جدّي.. أكل الشيبُ رأس والديّ قبل أن أولد حتّى.. أخوتي كانوا يكبرونني بأعوامٍ كثيرة.. فعشتُ طفولتي وحيدًا.. عندما كبرت، كان لي صديقٌ مقرّبٌ، اعتبرته أخي، فقد كنت بحاجة إلى شخصٍ يشاركني إهتماماتي.. كنتُ أقضي معظم وقتي معه، وكنّا نقوم بكل شيء سويًا.. كان الأخ والصديق والسند.. بدأ أهلي يتذمّرون من كثرة خروجي، ومن عودتي متأخرا إلى البيت.. وفي يومٍ من الأيام، تجادلتُ مع أبي على أمرٍ ما فبدأ يصرخ في وجهي وهو يلومني على إتخاذي البيت كفندقٍ لا أذهب إليه إلا وقت النوم.. فأغضبني كثيرًا، كيف يلومني وهو لا يعطيني أيٍّ من وقته؟ لم يقصّر معي مادّيًّا ولكن ما حاجتي للمادّيات وأنا أفتقر عطفه وحنانه.. اشتدّ الجدال كثيرًا، فما كان منّي إلا أن خرجت من البيت وقرّرت أن أعيش بمفردي.. كان لدينا بيتًا في الجبل، ذهبتُ إليه وقرّرتُ أن أعيش حياتي وحدي، فقد كنتُ أعمل وباستطاعتي أن أستقل عن والديّ.. أخبرتُ صديقي، فأصبح يزورني كل يوم ويأتي بأصدقاءٍ آخرين.. كان كلّ شيء على ما يُرام، فأنا حرٌّ وباستطاعتي فعل كل شيء.. وقد فعلت.. لم أترك شيئًا لم أجرّبه.. الدخان، الحشيش، المخدرات، وكل ما هو أسوأ حتّى.. كنتُ فريسةً سهلةً لأصدقاء السوء، فلا رقيبٌ أو حسيبٌ يوقفني.. ومع مرور الوقت، أصبحت كل هذه الأمور مكلفة للغاية، فلم يعد مصروفي يكفيني.. لجأت إلى أصدقائي وطلبت منهم بعض النقود مؤكّدًا أنّي سأُعيدهم في أقرب وقت ممكن.. وهكذا بدأت الديون تتراكم عليّ كثيرًا دون أن أشعر.. حتّى أصبحت همًّا كبيرًا أحمله على عاتقي.. وعندما كبُر الدين أكثر، لم يعد هناك أي حلّ أمامي.. أصدقائي ابتعدوا عنّي فلم أعد أستطيع أن أعزمهم، حبيبتي تركتني بعد أن علمت كم المصائب التي تواجهني.. تخلّى عنّي الجميع فجأةً.. حتّى بقيتُ بلا أهل ولا أصدقاء ولا حبيبة تسمعُ لي.. حتّى صديقي الذي اعتبره أخي، تركني.. فهو لم يحبّني إلا لمالي.. انعزلت عن الجميع لفترة.. بقيتُ وحدي والهموم تحاوطني.. ماذا أفعل؟ وإلى من ألجأ؟ لم يكن لي أحدًا أذهب إليه.. وكأن كل الأبواب قد أُغلِقت أمامي.. فكّرتُ في الإنتحار أكثر من مرّة.. فقد ظننتُ أنَّه الحل الوحيد المتبقّي أمامي.. ولكن كنتُ أخاف منه دائمًا.. أخاف أن أخسر دنياي وآخرتي.. وعندما ضاق بي الحال كثيرًا، قرّرتُ أن أعود إلى أهلي، فمن غيرهم سيحتضنني رغم خطئي؟ وهذا ما قد فعلت.. عُدتُ إلى والدي والخوف يتملّكني من ردّةِ فعله.. أخبرتُ أهلي عن كلّ المشاكل التي أوقعتُ نفسي بها، صارحتهم بكلّ أخطائي.. ولا أنسى وجوههم وقتها.. كانت الصدمة كبير عليهم.. خافوا منّي، ولم يعدوا يثقوا بي.. مضت أيامي في بيت أهلي وكأنّني مجرم أعيش بينهم، يراقبون أفعالي كلّها والخوف يتملّكهم.. بدأتُ أتعب من مراقبة أهلي لي، ولكنّي كنتُ أعلم أنّهم على حق.. فكرتُ في نفسي.. يجب أن أُعيد ثقتهم بي ولكن قبل ذلك، عليّ أن أعيد ثقتي أنا بنفسي.. قرّرتُ إكتشاف نفسي من جديد.. عاهدتُ ربّي أن لا أعود إلى أخطائي مهما حدث وطلبتُ منه أن يسامحني ويساعدَني وأن أجد صحبةً صالحةً تعينني.. أجبرتُ نفسي على الخروج من إنعزالي والتعرّف على أصدقاءٍ جدد، ولكن بحذرٍ شديدٍ هذه المرّة.. وقد وفّقني الله بمعرفة أناسٍ طيبين يتمنّون الخير لغيرهم.. لم يكن الأمر سهلًا ولكن مع الوقت، استطعت أن أجتاز كل الصعوبات وأعدتُ ثقتي وثقة أهلي بي.. وقد علّمتني هذه التجربة أن أقدّر ما يفعله أهلي لي وأن أعطيهم الأولوية دائمًا لأنّهم الوحيدين اللذين يحبّانني رغم كل أخطائي، هما ملجأي وأماني الوحيد بعد الله..ومن هنا، نصيحة لكلّ الآباء، صاحبوا أولادكم، فحاجتهم لقضاء وقت معكم تفوق حاجتهم لأي شيء آخر.. قصة أحدهم بقلمي ✍️ يمنى فراشة#YFscribbles 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *